سيد قطب

1210

في ظلال القرآن

فالعقل قد يضل تحت ضغط الشهوات - وعلى الرغم مما في كتاب الكون المفتوح من آيات - فقد تتعطل أجهزة الاستقبال كلها في الكيان البشري . لقد ناط بالرسل والرسالات مهمة استنقاذ الفطرة من الركام ، واستنقاذ العقل من الانحراف ، واستنقاذ البصائر والحواس من الانطماس . وجعل العذاب مرهونا بالتكذيب والكفر بعد البلاغ والإنذار . وهذه الحقيقة كما أنها تصور رحمة اللّه بهذا الإنسان وفضله ، كذلك تصور قيمة المدارك البشرية من فطرة وعقل ؛ وتقرر أنها - وحدها - لا تعصم من الضلال ، ولا تهدي إلى يقين ، ولا تصبر على ضغط الشهوات . . ما لم تساندها العقيدة وما لم يضبطها الدين « 1 » . . ثم يقرر السياق حقيقة أخرى في شأن الجزاء . . للمؤمنين وللشياطين سواء : « وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا . وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ » . . فللمؤمنين درجات : درجة فوق درجة . وللشياطين درجات : درجة تحت درجة ! وفق الأعمال . والأعمال مرصودة لا يغيب منها شيء : « وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ » . على أن اللّه - سبحانه - إنما يرسل رسله رحمة بالعباد ؛ فهو غني عنهم ؛ وعن إيمانهم به وعبادتهم له . وإذا أحسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم في الدنيا والآخرة . كذلك تتجلى رحمته في الإبقاء على الجيل العاصي الظالم المشرك ، وهو القادر على أن يهلكه ، وينشئ جيلا آخر يستخلفه : « وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ . كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ » . فلا ينس الناس أنهم باقون برحمة اللّه ؛ وأن بقاءهم معلق بمشيئة اللّه ؛ وأن ما في أيديهم من سلطان إنما خولهم اللّه إياه . فليس هو سلطانا أصيلا ؛ ولا وجودا مختارا . فما لأحد في نشأته ووجوده من يد ؛ وما لأحد فيما أعطيه من السلطان من قدرة . وذهابهم واستخلاف غيرهم هين على اللّه . كما أنه أنشأهم من ذرية جيل غير . واستخلفوا هم من بعده بقدر من اللّه . إنها طرقات قوية وإيقاعات عنيفة على قلوب الظالمين من شياطين الإنس والجن الذين يمكرون ويتطاولون ، ويحرمون ويحللون ، ويجادلون في شرع اللّه بما يشرعون . . وهم هكذا في قبضة اللّه يبقيهم كيف شاء ، ويذهب بهم أنى شاء ، ويستخلف من بعدهم ما يشاء . . كما أنها إيقاعات من التثبيت والطمأنينة والثقة في قلوب العصبة المسلمة ، التي تلقى العنت من كيد الشياطين ومكرهم ؛ ومن أذى المجرمين وعدائهم . . فهؤلاء هم في قبضة اللّه ضعافا حتى وهم يتجبرون في الأرض ويمكرون ! ثم إيقاع تهديدي آخر : « إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ » إنكم في يد اللّه وقبضته ، ورهن مشيئته وقدره . فلستم بمفلتين أو مستعصين . . ويوم الحشر الذي شاهدتم

--> ( 1 ) يراجع بتوسع تفسير قوله تعالى : « رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » في الجزء السادس من الظلال : ص 806 - 812 .